ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

63

حجة الله البالغة

قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اتَّقوا الشُّح فَإِن الشُّح أهلك من قبلكُمْ " الحَدِيث ، وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِن الصَّدَقَة لتطفي غضب الرب " ، وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن الصَّدَقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ المَاء النَّار " ، وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِن الله يقبلهَا بِيَمِينِهِ ، ثمَّ يُرَبِّيهَا لصَاحِبهَا " الحَدِيث أَقُول : سر ذَلِك كُله أَن دَعْوَة الْمَلأ الْأَعْلَى إصْلَاح حَال بني آدم وَالرَّحْمَة بِمن يسْعَى فِي إصْلَاح الْمَدِينَة أَو فِي تَهْذِيب نَفسه إِلَى تَنْصَرِف هَذَا الْمُنفق ، فتورث تلقي عُلُوم الْمَلأ السافل وَبني آدم أَن يحسنوا إِلَيْهِ ، وَيكون سَببا لمغفرة خطاياه ، وَمعنى يتقبلها أَن تتمثل صُورَة الْعَمَل فِي الْمِثَال منسوبة إِلَى صَاحبهَا فتنسبغ هُنَالك بدعوات الْمَلأ الْأَعْلَى وَرَحْمَة الله بِهِ ، أَو فِي الْآخِرَة ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا من صَاحب ذهب وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صفحت لَهُ صَفَائِح " . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مثل لَهُ شجاعا أَقرع " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم قَرِيبا من ذَلِك - أَقُول : السَّبَب الْبَاعِث على كَون جَزَاء مَانع الزَّكَاة على هَذِه الصّفة شيئان : أَحدهمَا أصل ، الثَّانِي كالمؤكد لَهُ ، وَذَلِكَ أَنه كَمَا أَن الصُّورَة الذهنية تجنب صُورَة أُخْرَى كسلسلة أَحَادِيث النَّفس الجالب بَعْضهَا بَعْضًا ، وكما أَن حُضُور صُورَة متضايف فِي الذِّهْن يَسْتَدْعِي حُضُور صُورَة متضايف آخر كالبنوة والأبوة ، وكما أَن امتلاء أوعية المنى بِهِ وثوران بخاره فِي القوى الفكرية يهز النَّفس لمشاهدة صور النِّسَاء فِي الْحلم ، وكما أَن امتلاء الأوعية ببخار ظلماني يهيج فِي النَّفس صور الْأَشْيَاء المؤذية الهائلة - كالفيل - مثلا ، فَكَذَلِك المدارك تَقْتَضِي بطبيعتها إِذا أفيضت قُوَّة مثالية على النَّفس أَن يتَمَثَّل بخلها بالأموال ظَاهرا سابغا ، وَأَن يجلب ذَلِك تميل مَا بخل بِهِ وتعانى فِي حفظه ، وامتلأت قواه الفكرية بِهِ أَيْضا ظَاهرا سابغاً يتألم مِنْهُ حَسْبَمَا جرت سنة الله أَن يتألم مِنْهَا ، فَمن الذَّهَب وَالْفِضَّة الكي ، وَمن الْإِبِل الْوَطْء والعض ، وعَلى هَذَا الْقيَاس . وَلما كَانَ الْمَلأ الْأَعْلَى علمُوا ذَلِك ، وانعقد فِي وجوب الزَّكَاة عَلَيْهِم ، وتمثل عِنْدهم تأذي النُّفُوس البشرية بهَا - كَانَ ذَلِك معدا لفيضان هَذِه الصُّورَة فِي موطن الْحَشْر ، وَالْفرق بَين تمثله شجاعا . وتمثله صَفَائِح ، أَن الأول فِيمَا يغلب عَلَيْهِ حب المَال إِجْمَالا